جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية. عندما تتحول الجودة إلى ثقافة مؤسسية تصنع التميز .

في عالم تتسارع فيه معايير التميز المؤسسي وتغدو الجودة عنوانا” لتقدم الجامعات ورقيها برزت جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية بوصفها واحدة من التجارب السودانية الملهمة التي استطاعت أن تؤسس مشروعا” متكاملاً للجودة والتخطيط الاستراتيجي. أضحت الجامعة بذلك نموذجا” وطنيا” يشار إليه بالبنان وجديرا” بالدراسة والاستفادة. إنها تجربة لم تُبنَ على الاجتهادات الفردية أو المبادرات العابرة وإنما قامت على رؤية مؤسسية بعيدة المدى وإرادة قيادية واعية وعمل تراكمي امتد لسنوات. أثمر ذلك العمل ثقافة راسخة جعلت الجودة جزءا” أصيلا” من هوية الجامعة.
وفي إطار تعزيز التضامن الأكاديمي وتبادل الخبرات والاطلاع على التجارب الوطنية الرائدة قام وفد رفيع المستوى من جامعة السودان المفتوحة بزيارة علمية وعملية إلى جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية. ضم الوفد كلاً من عميد عمادة المكتبات ومديرة إدارة الجودة برفقة الخبير الاستراتيجي المهندس صديق أحمد إسحق.
وكان في استقبال الوفد الكريم البروفيسور معاوية أحمد وراق عميد كلية الدراسات العليا. رحب البروفيسور بالوفد ترحيبا” أخورا” يجسد القيم المؤسسية والأعراف الأكاديمية النبيلة التي عُرفت بها الجامعة. شهدت الزيارة جلسة علمية ثرية جمعت الوفد الزائر بمدير إدارة الجودة بالجامعة ومديرة مركز الطالبات. امتدت الجلسة من الساعة الثامنة والنصف صباحاً وحتى الحادية عشر تحولت خلالها إلى رحلة معرفية استعرضت واحدة من أنضج التجارب الوطنية في مجال الجودة والتميز المؤسسي.
استهل البروفيسور معاوية أحمد وراق حديثه بالتأكيد على أن مسيرة الجامعة في التخطيط والجودة لم تكن عملاً آنيا” طارئا” وإنما مشروعاً” مؤسسيا” استراتيجيا” انطلق منذ عام 2006م. استند هذا المشروع إلى قناعة راسخة مفادها أن بناء المؤسسات يبدأ ببناء الإنسان. الجودة في فلسفة الجامعة ليست وثائق تحفظ في الملفات بل هي ثقافة حية تترجم إلى سلوك يومي وممارسة وأداء متميز.
أوضح البروفيسور أن هذه التجربة المتميزة مرت بثماني مراحل متكاملة شكلت في مجموعها البناء المتين لمنظومة الجودة والتميز بالجامعة.
تمثلت المرحلة الأولى في تأسيس المجالس الحاكمة ولجان التدريب باعتبارها الإطار المؤسسي المنوط به قيادة مشروع الجودة ورسم السياسات العامة ومتابعة التنفيذ وصناعة القرار وفق منهج علمي دقيق.
أما المرحلة الثانية فقد كرست لبناء القدرات البشرية. أولت الجامعة التدريب اهتماما” استثنائيا” على المستويين الداخلي والخارجي. كانت البداية من خلال الاقتباس من أفضل الممارسات الدولية والتدريب على النموذج الأوروبي للتميز المؤسسي في الخارج والداخل. استهدف ذلك إعداد قيادات واعية تمتلك المعرفة والخبرة لقيادة هذا التحول. لم يقتصر التدريب على القيادات الأكاديمية والإدارية بل امتد ليشمل جميع منسوبي الجامعة وصولاً إلى الكوادر المساندة في خدمات الضيافة والسائقين. تلقى الجميع برامج متخصصة في البروتوكول المؤسسي وفنون التعامل في تأكيد عملي على أن الجودة مسؤولية مجتمعية شاملة داخل المؤسسة.
شهدت المرحلة الثالثة اختيار نخبة متميزة ممن تلقوا هذا التدريب وإخضاعهم لبرامج أكثر تخصصا” ودقة. أصبح هؤلاء النواة الصلبة والركيزة الأساسية لإدارة الكليات والأمانات والإدارات المختلفة مما ضمن استمرارية المشروع واستدامة أثره.
وفي المرحلة الرابعة اتجهت الجامعة نحو تعميق ونشر ثقافة الجودة في أروقة المؤسسة. استفادت الجامعة من الكفاءات الوطنية المؤهلة داخل المؤسسة وخارجها حتى أصبحت مفاهيم الجودة والتخطيط والتميز جزءا” لا يتجزأ من الثقافة التنظيمية السائدة بين جميع العاملين.
تمثلت المرحلة الخامسة في إطلاق برنامج التدريب العام والتقويم الذاتي. استعانت الجامعة في هذه المرحلة بخبرات مؤسسات وطنية رائدة كان في مقدمتها شركة جياد واتحاد المصارف السوداني. هدف ذلك إلى نقل وتوطين التجارب المتقدمة في التطوير المؤسسي مما عزز كفاءة الأداء ورسخ معايير التقييم المستمر.
شكلت المرحلة السادسة محطة فارقة في مسيرة الجامعة إذ انتقلت بها من مرحلة التأسيس والبناء إلى مرحلة المنافسة والتميز. شُكلت لجنة من الخبراء من داخل الجامعة وخارجها وتم تطبيق النموذج الأوروبي للتميز على عمداء الكليات وأمناء الأمانات ومديري الإدارات. أطلق ذلك منافسة مؤسسية شريفة اتسمت بالجدية والشفافية وأثمرت حراكا” مكثفا” انعكس بصورة مباشرة على ارتقاء الأداء. اختتمت عمليات التقييم بتصنيف الكليات والإدارات وإعلان الوحدات الفائزة وتكريمها بواسطة اللجنة الحاكمة مما أسهم في ترسيخ بيئة التميز والتحفيز المؤسسي.
وفي المرحلة السابعة
فقد خُصصت للمراجعة الشاملة للإجراءات الإدارية والأكاديمية وتصحيح المسارات. أثمرت هذه المرحلة وضع نظام متكامل لتوثيق كافة الإجراءات والعمليات داخل كل كلية وإدارة. تُوج هذا الجهد الوطني بإعداد دليل شامل لإجراءات العمل أصبح مرجعا” يحكم الأداء ويوحد الممارسات ويضمن استدامة التطوير.
وفي المرحلة الثامنة أكد البروفيسور معاوية أحمد وراق أن نجاح هذه المسيرة المظفرة ارتكز على ثلاثة عوامل رئيسة. تتمثل هذه العوامل في ثبات القيادات العليا وإيمانها المطلق بالمشروع وكثافة التدريب واستمراريته وتوظيف التقنية الحديثة لخدمة الإدارة الجامعية.
في هذا السياق حققت الجامعة نقلة نوعية في مجال التحول الرقمي عبر حوسبة العمليات الإدارية والمالية. أصبحت الجامعة تمتلك ستة عشر نظاما” إلكترونيا” متكاملا” أحدثت ثورة حقيقية في المفاهيم الإدارية الجامعية ورسخت معايير السرعة والدقة والشفافية.
يقف خلف هذا الإنجاز غير المسبوق نخبة من قيادات الجامعة الأفاضل الذين آمنوا بالمشروع وسخروا له علمهم وخبراتهم. يبرز في مقدمة هؤلاء البروفيسور سليمان عثمان محمد والبروفيسور إبراهيم نورين والبروفيسور أحمد سعيد سليمان والبروفيسور محيي الدين عبدالله مدير الجامعة الحالي ومدير الجودة السابق. يضاف إليهم البروفيسور معاوية أحمد وراق الذي ارتبط اسمه بمسيرة الجودة والحوسبة وكان أحد أبرز روادها وعرابيها.
يعود تاريخ التخطيط والجودة في جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية إلى عام 2006م. بدأت الجامعة منذ ذلك التاريخ تحصد ثمار هذا المشروع وتُوجت بنيل شهادة تقديرية من الدكتور أحمد عبد الكريم مدير مركز المعلومات ومن البروفيسور مبارك المجذوب وزير التعليم العالي والبحث العلمي آنذاك. حظيت التجربة كذلك بإشادة وتقدير من رئاسة الجمهورية وهي شهادات رفيعة تؤكد المكانة المرموقة التي تبوأتها الجامعة.
تثبت تجربة جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية أن المؤسسات الكبرى لا تُقاس بعمرها الزمني فحسب وإنما بعمق رؤيتها وأثر رسالتها ونبل ثقافتها. أثبتت الجامعة أن التخطيط السليم والاستثمار في العنصر البشري وثبات القيادة والتدريب المستمر والالتزام بمعايير الجودة هي المفاتيح الحقيقية للريادة والتميز المؤسسي.
تقف جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية اليوم صرحا” شامخا” ورائدة من رواد الجودة والتميز في السودان. إنها تقدم نموذجا” وطنيا” مشرفاً يبرهن على أن مؤسسات التعليم العالي السودانية قادرة متى ما توفرت لها الإرادة والرؤية على تقديم تجارب مؤسسية تضاهي أفضل الممارسات العالمية وتسهم في بناء مستقبل أكثر كفاءا” واشراقا”


